فخر الدين الرازي
121
تفسير الرازي
واَلاَْرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ) * . المعنى وما عابوا منهم وما أنكروا الإيمان ، كقوله : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب ونظيره قوله تعالى : * ( هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله ) * ( المائدة : 59 ) وإنما قال : * ( إلا أن يؤمنوا ) * لأن التعذيب إنما كان واقعاً على الإيمان في المستقبل ، ولو كفروا في المستقبل لم يعذبوا على ما مضى ، فكأنه قيل : إلا أن يدوموا على إيمانهم ، وقرأ أبو حياة : * ( نقموا ) * بالكسر ، والفصيح هو الفتح ، ثم إنه ذكر الأوصاف التي بها يستحق الإله أن يؤمن به ويعبد فأولها : العزيز وهو القادر الذي لا يغلب ، والقاهر الذي لا يدفع ، وبالجملة فهو إشارة إلى القدرة التامة وثانيها : الحميد وهو الذي يستحق الحمد والثناء على ألسنة عباده المؤمنين وإن كان بعض الأشياء لا يحمده بلسانه فنفسه شاهدة على أن المحمود في الحقيقة هو هو ، كما قال : * ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) * ( الإسراء : 44 ) وذلك إشارة إلى العلم لأن من لا يكون عالماً بعواقب الأشياء لا يمكنه أن يفعل الأفعال الحميدة ، فالحميد يدل على العلم التام من هذا الوجه وثالثها : الذي له ملك السماوات والأرض وهو مالكها والقيم بهما ولو شاء لأفناهما ، وهو إشارة إلى الملك التام وإنما أخر هذه الصفة عن الأولين لأن الملك التام لا يحصل إلا عند حصول الكمال في القدرة والعلم ، فثبت أن من كان موصوفاً بهذه الصفات كان هو المستحق للإيمان به وغيره لا يستحق ذلك البتة ، فكيف حكم أولئك الكفار الجهال يكون مثل هذا الإيمان ذنباً . واعلم أنه تعالى أشار بقوله : * ( العزيز ) * إلى أنه لو شاء لمنع أولئك الجبابرة من تعذيب أولئك المؤمنين ، ولأطفأ نيرانهم ولأماتهم وأشار بقوله : * ( الحميد ) * إلى أن المعتبر عنده سبحانه من الأفعال عواقبها فهو وإن كان قد أمهل لكنه ما أهمل ، فإنه تعالى يوصل ثواب أولئك المؤمنين إليهم ، وعقاب أولئك الكفرة إليهم ، ولكنه تعالى لم يعالجهم بذلك لأنه لم يفعل إلا على حسب المشيئة أو المصلحة على سبيل التفضل ، فلهذا السبب قال : * ( والله على كل شيء شهيد ) * فهو وعد عظيم للمطيعين ووعيد شديد للمجرمين . * ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ) * . اعلم أنه سبحانه لما ذكر قصة أصحاب الأخدود ، أتبعها بما يتفرع عليها من أحكام الثواب والعقاب فقال : * ( إن الذين فتنوا المؤمنين ) * وههنا مسائل :